السيد محمد تقي المدرسي
98
مقاصد السور في القرآن الكريم
والإدمان يشير إلى العمل بهذه السورة ، وتكييف حياة الإنسان وعلاقاته وفقها ، ومن يفعل ذلك فإنه يرى خيراً في علاقاته وحينما يأمره الإسلام أن تكون العلاقة بالطبيعة وزينة الحياة ( من أموال وبنين وما أشبه ) علاقة امتدادية ، في إطار العلاقة مع الله ، فليس لأنه يريد للإنسان الحرمان من نعيم الدنيا وطيباتها ، إنما يريد له أن يستفيد من ذلك أكبر فائدة ممكنة ، لأن الله هو خالق الحياة والبشر ، وهو أعلم بما يصلحهم ويعود عليهم بالخير ، وبالتالي هو القادر على أن يرسم لهم المنهج السليم في السلوك والعلاقات . الثانية : إن هناك فرقاً بين الوصفة الطبية والدواء الذي تشتريه بموجبها ، فبينما تشير هي أن الدواء فقط يقوم بملاحقة ميكروب المرض للقضاء عليه . والكتب التربوية والأخلاقية تشبه إلى حد بعيد الوصفة الطبية ، بينما القرآن دواء وشفاء لأمراض السلوك البشري ، فآياته تلاحق الجراثيم والأمراض النفسية في قلب الإنسان وتقضي عليها ، لذلك لا يكتفي القرآن أن ينصحك بكيفية تكوين علاقاتك مع أولادك فحسب وإنما يتعمق حتى يصل إلى جذر المشكلة النفسية ويقتلعها ، فيضرب الأمثال ويبين حقائق التاريخ ويحللها . وقد سميت هذه السورة بمريم ؛ لأن علاقة مريم الصديقة بابنها عيسى ( ع ) كانت علاقة فريدة ونموذجية ، لا سيما وأن هذه السورة كما هو شأن الكثير من الآيات القرآنية تهدف - فيما تهدف - إلى جعل علاقة الإنسان بالحياة الدنيا علاقة سليمة . والقرآن الحكيم يوقفنا في هذه السورة المباركة ليبيّن لنا حقيقة هامة ، وهي : إن الخلاف العقائدي الذي انتشر حول النبي عيسى ( ع ) ، إنما كان بسبب عدم معرفة الله سبحانه ، والجهل بصفاتهوأسمائه ، وبقدراته الواسعة المطلقة ، وبكيفية خلقه للأشياء ، وأن هذا الخلاف ينبع من ضعف الإيمان بالآخرة . . أما عند الحديث عن الأسرة ؛ فيمكن القول بأن علاقات الإنسان يجب أن تكون علاقات إيمانية وسليمة مع أسرته ، وهو يحتاج في هذا الإطار إلى الاقتداء بأولياء الله الصالحين ، ليتخذ منهم أسوة في تصرفاته . وفي سورة مريم يذكّرنا القرآن ببعض تلك القدوات الصالحة ، كالأنبياء موسى